الشنقيطي

33

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

والرقود : جمع راقد وهو النائم ، أي تظنهم أيها المخاطب لو رأيتهم أيقاظا والحال أنهم رقود . ويدل على هذا المعنى قوله تعالى في نظيره : لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً [ الكهف : 18 ] الآية . وقال بعض العلماء : سبب ظن الرائي أنهم أيقاظ هو أنهم نيام وعيونهم مفتحة . وقيل : لكثرة تقلبهم . وهذا القول يشير له قوله تعالى بعده : وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ [ الكهف : 18 ] . وكلام المفسرين هنا في عدد تقلبهم من كثرة وقلة لا دليل عليه ؛ ولذا أعرضنا عن ذكر الأقوال فيه . وقوله في هذه الآية : وَتَحْسَبُهُمْ قرأه بفتح السين على القياس ابن عامر وعاصم وحمزة . وقرأه بكسر السين نافع وابن كثير وأبو عمرو والكسائي ، وهما قراءتان سبعيتان ، ولغتان مشهورتان ، والفتح أقيس والكسر أفصح . قوله تعالى : وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ [ 18 ] . اختلفت عبارات المفسرين في المراد ب « الوصيد » فقيل : هو فناء البيت . ويروى عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير « 1 » وقيل الوصيد : الباب ، وهو مروي عن ابن عباس أيضا « 2 » . وقيل : الوصيد العتبة . وقيل الصعيد . والذي يشهد له القرآن أن الوصيد هو الباب . ويقال له « أصيد » أيضا ؛ لأن اللّه يقول : إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ( 8 ) [ الهمزة : 8 ] أي مغلقة مطبقة ؛ وذلك بإغلاق كل وصيد أو أصيد ، وهو الباب من أبوابها . ونظير الآية من كلام العرب قول الشاعر : تحن إلى أجبال مكة ناقتي * ومن دونها أبواب صنعاء مؤصدة وقول ابن قيس الرقيات : إن في القصر لو دخلنا غزالا * مصفقا مؤصدا عليه الحجاب فالمراد بالإيصاد في جميع ذلك : الإطباق والإغلاق ؛ لأن العادة فيه أن يكون بالوصيد وهو الباب . ويقال فيه أصيد . وعلى اللغتين القراءتان في قوله : « مؤصدة » مهموزا من الأصيد . . وغير مهموز من الوصيد . ومن إطلاق العرب الوصيد على الباب قول عبيد بن وهب العبسي ، وقيل زهير : بأرض فضاء لا يسد وصيدها * علي ومعروفي بها غير منكر أي لا يسد بابها علي ، يعني ليست فيها أبواب حتى تسد علي ؛ كقول الآخر : * ولا ترى الضب بها ينجحر *

--> ( 1 ) أخرجه عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير ، ابن جرير الطبري في جامع البيان 15 / 141 . ( 2 ) أخرجه عن ابن عباس ، ابن جرير الطبري في جامع البيان 15 / 142 .